الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

360

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

معارك ضارية خاضوها بضآلة عدد وعدة ، ذلك النصر الذي لا يمكن أن يقع إلا بإمداد إلهي . وآخر آية تفسر المراد من أنصار الله الذين وعدهم بنصره في الآية السابقة ، وتقول : الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر . إنهم فئة لا تلهو ولا تلعب كالجبابرة بعد انتصارها ، ولا يأخذها الكبر والغرور ، إنما ترى النصر سلما لارتقاء الفرد والجماعة . إنها لن تتحول إلى طاغوت جديد بعد وصولها إلى السلطة ، لارتباطها القوي بالله ، والصلاة رمز هذا الارتباط بالخالق ، والزكاة رمز للالتحام مع الخلق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويتان لبناء مجتمع سليم . وهذه الصفات الأربع تكفي لتعريف هؤلاء الأفراد ، ففي ظلها تتم ممارسة سائر العبادات والأعمال الصالحة ، وترسم بذلك خصائص المجتمع المؤمن المتطور ( 1 ) . كلمة " مكنا " مشتقة من " التمكين " الذي يعني إعداد الأجهزة والمعدات الخاصة بالعمل ، من عدد وآلات ضرورية وعلم ووعي كاف وقدرة جسمية وذهنية . وتطلق كلمة " المعروف " على الأعمال الجيدة والحقة ، و " المنكر " يعني العمل القبيح ، لأن الكلمة الأولى تطلق على الأعمال المعروفة بالفطرة ، والكلمة الثانية على الأعمال المجهولة والمنكرة . أو بتعبير آخر : الأولى تعني الانسجام مع الفطرة الإنسانية ، والثانية تعني عدم الانسجام . وتقول الآية في ختامها ولله عاقبة الأمور وتعني أن بداية أي قدرة ونصر من الله تعالى ، وتعود كلها في الأخير إليه ثانية إنا لله وإنا إليه راجعون . * * *

--> 1 - تناولنا أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومسائل هذين الواجبين الإسلاميين ، والجواب عن استفسارات في هذا المجال ببحث مسهب في تفسير الآية ( 104 ) من سورة آل عمران .